Get Adobe Flash player
***** «الأمير هاري» ورحلة علاجه النفسي: شعرت بالإنهيار بعد موت أمي ***** نأسف تم تعليق حسابك الرجاء إعادة التعبئة \ حمزة الجناحي ***** جذور الفكر الداعشي ( 1) \ حسن زايد ***** الخطاب الواعي تجسير بين ضفتين : لقائي بالشيخ عبدالفتاح مورو\ مصطفى العمري ***** أعراس جزائرية \ معمر حبار* ***** السلام على أسد بغداد وسجينها! \ رسل جمال ***** أم القنابل .. ماذا يدور في عقل الإدارة الأمريكية ؟؟ \ غسان مصطفى الشامي ***** الإبداع السنغافوري في حل مشكلة السكن \ أسعد عبدالله عبدعلي ***** غزة فى عنق الزجاجة بانتظار إنهاء الانقسام \ د. عبير عبد الرحمن ثابت* ***** ولولا الأربعُ المؤرقاتُ رأسي \ جواد غلوم ***** رسالة مفتوحة للدكتورة ذكرى علّوش، أمينة بغداد \ رواء الجصاني * ***** ماذا بعد إستفتاء تركيا \ فادى عيد* ***** صدور كتاب (دموع لم تسقط) للكاتبة شهربان معدي ***** عـتـمـة الـرؤيـا لصـنـم الـكتـبـة - 07 - \ نـجـيب طــلال ***** قلبي وطني \ محمد المهدي ـتاوريرت ـ المغرب ***** الشاعر علي الحداد يحلق بموجته الشعرية في سماء المتنبي \ علي الزاغيني ***** عطش الحروفِ إلى الصّدى \ شعر: صالح أحمد (كناعنة) *****



 

 


عندما يقتلكَ الحنين \ إبراهيم يوسف

يخسر يا صديقتي من يُصَفِّي حساباتِه بالشتائم

الرجل يخسر.. شجاعته

والمرأة تخسر.. طهارتها ومودَّتها وأنوثتها

وخَسَارَةُ المرأة دائما لا تُعَوَّض


أصبتِ تماماً يا صديقتي فيما أردتِ أن تقوليه، فوسائل العصر المختلفة ومنها الاتصالات، التي لم تكن تخطر لنا في بال، نالت منا وأتعبتنا وضيَّعت عقولنا وجرفتنا بعيدا من مبادئنا وقلَّصت مشاعرنا، وصرفتنا عن عبادتنا وقتلت في القلب الحنين إلى بساطة العيش في ماض لن يعود. كانت غاية الآلة أن تخدم البشر، لا أن تستبدّ بهم وتنهكهم وتقرّر مصيرهم، فتعرقل بساطة عيشهم بدلا من أن تسهل مستقبل حياتهم وأجيالهم. وتبقى المحبة يا صديقتي غاية الدنيا وقطافها الأطيب، والبلسم الشافي لحيرى النفوس.


في بداية ثورة الاتصالات توقّع محمد حسنين هيكل طيّب الله ثراه، مدى ما يترتب على العالم من المفاعيل المبهمة العصيَّة على الإدراك، وأبدى خشيته بأننا مقبلون على زمن مختلف لا يدرك مدى خطورته إلا الله. أما سعيد عقل الشاعرُ المتفرِّدُ المهووس فكان متفائلاً ومخدوعا وهو يرى المستقبل على نحو أبهى وأجمل ويقول: "رُبَّ أرْضٍ من شذاً وَنَدَىً وجِرَاحاتٍ بقلبِ عِدَى - سَكَتَتْ يوماً فهل سكتتْ؟ أجملُ التاريخِ كانَ غدا".


الغدُ مهما تفاءلنا به ياصديقتي هو الموتُ بعينه بلا نقاش وبحث مستفيض، ويبقى وَهْمُ العيش في الماضي هو الأجمل. في اعتقادي أخفقَ سعيد عقل وأصابَ هيكل.. وليس ما يجنيه بنو البشر في مسيرتهم والعبور إلى العالم الآخر إلاَّ لحظات قصيرة من الحب يتعالى فيها وجيب القلوب ثم تتوقف عن الخفقان وينتهي الأمر إلى الأبد.


كنت طفلاً حافياً وسعيداً تحت سقف من التراب "والحوَّارة"، حينما سافر من بلدتي أول المهاجرين. يومها كانت ضيعتي "دسكرة" بسيطة من الأرض وبيوتا قليلة من الحجارة "العمياء" والطين. تكتنفها كروم العنب والتين ويتفتح في سياجها ورد الجوري، ويزورها السنونو مرة في الربيع  من كل عام.


من كان يهاجر يومها ينقطع الأمل من عودته إلى أهله ودياره.. يبتلعه البحر كما كانوا يقولون. رافق المسافر جمهرة غفيرة من أهل البلدة وكلهم من"الغلابى" المزارعين، ممن كانت بعلبك وزحلة وبيروت، أبعد الدنيا في حدود فكرهم ومقاصدهم، ومنهم من لم يتجاوز حدود طموحه أكثر من زيارة مقام السيدة زينب في الشام.


زحفتْ معه الضيعة بأمها وأبيها بأطفالها وشبابها، برجالها ونسائها ولم يبقَ فيها إلاَّ العجزة والمرضى، حتى بلغنا "الدرجة" حيث ينقطع العمران ويختفي عن النظر آخر البيوت، وتكثر في هذه الأرجاء أوجار الحيوانات البرية كالأرانب والثعالب، والزواحف كالقنافذ والسلاحف والسحالي.


كانت المسافة إلى الدرجة بعيدة للغاية على حساب خطى الأطفال، وتتواصل بعدها طريق موحشة من الحصى والحجارة تنتشر على جانبيها صخور عالية رصاصية داكنة اللون، والكثير من أشواك الدَّردَرِيَّة المؤذية والعُلّيْق، وشجر اللوز والزعرور.


لم أكن مدركاً معنى ما يحصل، لكنني كنت شاهدا صادقا على حسرة المودعين ودموعهم. كانت أمه تمشي إلى جانبه تتوكأ عليه لكي لا يضيع منها، وكانت تبكي وتنوح وتشق ثوبها وتلطم خديها، وتعاتب البحر كيف سيبتلع ولدها وبكرها ومعيلها "أسعد" ليتوه في بلاد الله البعيدة.


على حدود القرية من ناحية الجنوب، وكان الوقت ضحىً شخصت إليه الأبصار وودعته العيون، فغاب عنا وراء تلة تغطيها صخور شعثة مسننة، تنبطح في أعاليها بعض السحالي تحرك رؤوسها برتابة كأنما تتخاضب فيما بينها وتتفرج على ما يجري من بعيد، فارتمت أمه على الأرض حيث توقّف الموكب، وراحت تلطم صدرها وتعفِّر وجهها بالتراب وتنوح كمن ستفارقه الروح.


اكتفى المهاجر بإشارة مقتضبة من يده لوَّح بها في الهواء، ودموع رأيتها مع المودعين تنحدر على خدَّيه. ولَّى أسعد وجهه صوب الجنوب وواصلَ سيره دون أن يطيل الوقوف أو يمعن الالتفات إلى الوراء. أكمل طريقه وحيدا يحمل على كتفيه همومه وصرة من الثياب والتموين، كانت كل ذخيرته في رحلته وسفره إلى المجهول، وعدنا من حيث أتينا والحزن بادٍ على الوجوه، ودعوات حارة إلى الله ليعود إلى بلدته وأهله من السالمين.


يومئذٍ لم تكن وسائل النقل متاحة ولا الطريق كانت معبدة، والمسافرون إلى خارج الضيعة كانوا يقطعون مسافة أميال قليلة مشيا على الأقدام، أو يتوسلون الدواب للوصول إلى الطريق الرئيسة الآتية من بعلبك حيث يستقلون الحافلات الكبيرة النادرة، التي تذهب وتعود مرة في النهار من وإلى بيروت.


أو يتوجهون إلى رْيَاق حيث محطة القطارات المؤدية إلى سوريا في الشمال، أو إلى شتورة ومرتفعات "ضهر البيدر" في الجنوب، فمصايف الجبل قبل الوصول إلى المرفأ في العاصمة بيروت حيث تبحر سفن المسافرين إلى دنيا الله الواسعة وشتى بلدان الاغتراب وأهمها أمريكا والبرازيل.


إن كانت المقدمة مقبولة أو مثيرة للفضول..؟ فتعالي معي إلى المزيد من التفاصيل المختلفة المتباينة في الكثير مما بقي من فصول. من جهتي سأواصل الحديث، و يمكنك أن تنصرفي عن المتابعة إلى أمر آخر حينما ترغبين.


كان أبي رحمه الله أوفر حظا من هيكل، لأن أبي مات والحمد لله قبل أن يدرك المحمول، أو يخاطب حفيدا له بالصوت والصورة الملونة، وابتسامة عريضة على شفتيه وهو مسافر يقرأ كتابا، أو يحتسي الشاي ويجلس مع زوجته في الصين.


الحمد لله حقا أنه مات؛ أقولها بقلب صادق مرتاح. الموت إحدى نعم الله على الخلق وهم لا يعلمون..! هل تتصورين كيف يكون حال إنسان لا يموت..!؟ لا تجهدي رأسك بالتفكير أنا أقول لك: في اعتقادي ومدى قدرتي على التحليل بمنطق الرياضيات..؟ ستتوقف الحاجة إلى ولادات جديدة. وتنتهي علاقة الحب بين الرجل والمرأة أو بتعبير أدق.. تنقطع أسباب الجنس بين الذكر والأنثى، ولكِ أن تتصوري بعدها ما يكون..!؟


من كان سيقنع أبي ويصدق عجائب العصر وهول ما يحدث في دنيا الحاسوب والمحمول..!؟ لكن خيبة وضريبة من نوع مختلف كان قد سدَّدها قبل أن يرحل.. مرَّة حينما تعطَّل دورُ ثَوْرَيْه في فلاحة الحقول، بسببِ الجراراتِ الزراعية المستورَدَة من الخارج، التي يحرث الواحد منها في ساعة واحدة مساحةً تساوي على الأقل عشرة أضعاف ما يفعله "المحراث والنِّير".


ومرةً أُخرى بسببِ طاحونة "الديزل" الحديثة التي غزت البلدة وتعمل بطاقة المحروقات، فعرقلت نشاط طاحونة الماء في البداية، ثم توقفت نهائيا عن العمل فنشف النبع بفعل زيادة سكان البلدة وشِحِّ المياه وحَفْرِ الآبار، وهُدِمتِ الطاحونة ومات البراك، وأما في الأيام الحاضرة فقد تحوَّلتِ الضيعة إلى مدينةٍ كبيرةٍ تؤمِّنُ كلَّ أنواعِ الخدمات إلاّ البغاء؛ لكنه آت إلينا في الطريق.


كنت لأعوام خلت أعمل في شركةٍ للنقلِ الجوِّي، وكانت الشركة تستقبلُ طلاَّبَ الجامعات، للتدريبِ في فصلِ الصيف، يجلسُ الطلاَّبُ من الجنسينِ متلاصِقِين ومعظمهم من الأرياف، لاتفصلُ بينهم إلاَّ سماكة سراويلِ "الجينز"..! تدفعُ البنتُ بساقِها ساقَ زميلِها إن أرادتْ أن تثنيَهُ عن كلامٍ أو تعترضَ له على رأي، وزميلُها يربِّتُ على فخذِها بمودَّةٍ خالصة بلا خشية ولا ما يريب..!!


ألا تستدعي هذه الحرية اللعنة على الشيطان..!؟ كنتُ في مثلِ أعمارهم تتولاني "الكهربة" وأذوبُ خجلاً ووجداً أبْكم إذا مَسَّتْني امرأة أو تطلعت في عيوني..! ألم تكن هذه ضريبة الحرية يا صديقتي وبعض مفاعيل مدنيَّة الحاسوب والمحمول..؟


تحملني ذكرياتي إلى أيام المدرسة على أطراف الماضي البعيد، حينما كانت فتاة وحيدة تتابع معنا دروس الصف الأخير من المرحلة الابتدائية،  بعد أن أحيل أبوها على التقاعد وعاد إلى القرية وقد أقفلت مدرسة البنات أبوابها، إثر غرام المدرِّسة بشاب متزوج من أبناء البلدة. أحبته ومارست معه "الفاحشة"كما سمعتهم يقولون، فتركت وظيفتها في البلدة وتخلى عن زوجته بسبب المعلمة الجديدة الوافدة إلى الريف، وهربا معا ليتزوجا ويعملا بعيدا من البلدة والجوار. هكذا توقفت مَدْرَسَة البنات وتحولتِ الفتاة إلى مدرسة الصبيان.


خصصوا لها كرسيا وطاولة مستقلة في جانب من الصف، لتتابع دروسها مع تلامذة كلهم من الصبيان. تلك هي حكاية القط والسمنة الدَّسمة يشم رائحتها ويتطلع إليها بحسرة من بعيد، ونحن في سن التحول وقمة المشاعر الجنسية. الجنس الغلاَّب المغبون غاية الخلق وسبب استمرار الحياة على الأرض، وحينما تنتفي حاجتنا إليه ينبغي أن نرحل بلا أسف على دنيا تغيَّر طعمها في الجسم والروح.


كانتْ تعوزنا جرأة نادرة لمجرد الحديثِ معها..! فكيف لنا بالإبتسام لها..؟ أو النّظر المباشر إلى عينيها..؟ حتَّى تحية الصباح كانتْ مربكةً لنا؛ تختنقُ في صدورنا ولا يبوحُ بها أحدنا للآخر..! كلُّ ما كان يتصلُ بها كان يحملُ على الإحساسِ بالخوف والإثمِ والخجلِ والعيب والحرام. تلك هي بعض مأساتي ومأساة كل رفاقي  في ذلك الزمان.


أما الشركة الوطنية للنقل الجوي التي أشرت إليها في البداية، فكانت قد احترقت جميع طائراتها بفعل غارة شنتها على الشركة "فرقة" مجوقلة من الكوماندوز الإسرائليين. نفذت العملية على مطار بيروت الدولي، وأحرقت فيها مختلف الطائرات ومعظمها أوروبية الصنع، وتمَّ لاحقا شراء طائرات جديدة جميعها من الصناعة الأميركية. اعذريني يا صديقتي حينما أتوه وأنحرف من موضوع إلى موضوع يتصل به ولو من بعيد، فلا أتقيد بضوابط النهج المُتداول في نقل الحديث.


كانت الفرقة التي نفذت عملية إحراق ثلاث عشرة طائرة مختلفة الأنواع، تقطر الطائرات فتجرُّها من داخل المرأب لتحرقها في الخارج. كان الهدف من العملية كما يبدو إحراق الطائرات وحسب، دون المساس بمنشآت الشركة كالمرأب ومختلف المشاغل والمكاتب، ربما بإيعاز وتدبير من أميركا نفسها، التي زودت الشركة لاحقا بطائرات من صنع  بلادها.


لم تستغرق عملية إحراق الطائرات لأكثرَ من نصف ساعة دون مقاومة على الإطلاق، فلم يتكبد الفصيل الذي قام بتنفيذ عملية الإنزال، ولو خدشا بسيطا في ذراع عنصر من عناصره. وبعد العملية مباشرة أعلنت إسرائيل أن الغارة كانت رداً على الهجوم، الذي نفذته الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، على شركة العال الإسرائيلية.


سبحان من يغير الأحوال يا صديقتي..! فتنسحب إسرائيل  قسراً من الجنوب عن معظم الأراضي اللبنانية التي احتلتها دون مفاوضات أو شروط، وصارت تحسب ألف حساب عندما تقتلع شجرة واحدة من أرضنا، فتقابلها روح من أرواح العدو بطلقة لا تخيب. صارت الشجرة في أرضنا تساوي روحا في  كيان العدو.


عملتُ لاحقا في الشركة إياها لعقود طويلة بعد عملية الكوماندوز بسنوات عديدة، وكان على الشركة في فترة لاحقة أن تستبدل أسطولها مرة أخرى.. هذه المرة لتواكب تطور الزمن..؟ لذلك فقد تخلصوا من أسطول "البوينغ" القديم ببيع بعض الطائرات التي كانت لا زالت مضمونة من الشركة الصانعة، وفي حالة مقبولة تسمح لها بالعمل على خطوط الدول الفقيرة، "وكسروا" الباقي من الطائرات الأخرى التي تحولت إلى "خردة" وحديد لإعادة التصنيع.


ثم اشتروا طائرات حديثة للغاية هي "إيرباص" بفارق مذهل بين القديم والجديد، يلامس حدود الفارق بين الحقيقة والخيال. سأوضح واحدة من الفروقات بإشارة بسيطة إلى الجنيحات ودفات التحكم في مسار الطائرات القديمة في الجو، حيث كانت "عصا" القيادة أو "المقود" في قمرة الطائرة يتصل بسائر دفات التوجيه في الخارج بسلسلة من الأسلاك والأنابيب المعدنيَّة.


وأما في الطائرات الحديثة فيتم التحكم بالطائرة عن بعد بالإشارات الإلكترونية بلا أنابيب ولا "حبال معدنية"، أو أسلاك كهربائية وكل ما هو مرئي وملموس، فتستجيب الدّفات وتتحكم في مسار الطائرة بالإشارة في تنفيذ رغبة الربان، كأنما تتحرك بفعل السحر ونوع من الخيال.. وكلام من هذا النوع يا صديقتي صار بحكم المسلمات البديهية البسيطة التي لا تسترعي الانتباه والتفكير الطويل، وحتى لم تعد تشغل بال الأطفال.


ولكن لكي أكون منصفا وصادقا ينبغي القول: ربما كانت نقمتي على وسائل الاتصالات ومنها الحاسوب والهاتف المحمول والطائرات الحديثة..؟ إنما كانت بسبب العجز من قبلي وحسب عن مواكبة هذه الآلات المعقدة التي تستجيب لتنفيذ الأوامر بسرعة الخاطر، وذهني القاصر البليد عن متابعة ما يجري في هذه الدنيا المذهلة، "كالكبس" على زر وحسب لتحصل على ما تريد. فلو شاءت هذه الوسائل لفجَّرت سيارة مفخَّخة في إحدى القارات البعيدة. هذا هو الوجه الآخر لهذه التِّقانة الحديثة، وهكذا أيضا تم اغتيال يحي عياش في غزة من خلال عملية تفجير الهاتف المحمول. ويحي عياش استشهد في مثل هذه الأيام.


بعد الحصول على طائرات إيرباص..؟ اتخذت الإدارة في الشركة قرارا حاسما لا رجوع عنه، يقضي بتسريح "الكادرات" القديمة من العمل، تلك التي بلغت أعمارا متقدمة ولم تكن بالتالي مدربة أو مؤهلة للعمل على هذا النوع "الخيالي" من الطائرات، فقدَّموا لنا عروضا "مغرية" لإحالتنا إلى التعويض بدلا من أتعابنا وخدماتنا في الشركة.


في فترة التحول التِّقَني بين جيلين مختلفين من الطائرات، كنا نشعر أن كل ما نعرفه وما تعلمناه على الطائرات القديمة لم يعد يساوي شيئا على الإطلاق، ورافق شعورنا هذا كثير من خيبات الأمل، كالخوف والقلق والإحباط ومرارة ما بلغناه من سوء الأحوال النفسية، وما يترتب وينجم من الانعكاسات السلبية على أوضاعنا العامة.


كنا نشعر بالتهديد الحقيقي في معيشتنا ومستقبلنا ومستقبل عائلاتنا أيضا.  كانت أوقاتا حرجة وصعبة وعصيبة للغاية. تشبه إلى حدٍ كبير حالة أهل الكهف عندما بعثهم الله إلى الحياة مرة أخرى بعد مئآت السنين، ذُهلوا عندما وجدوا عالما غير عالمهم، ودنيا مختلفة لا عهد لهم بها فآثروا العودة، وفزعوا إلى كهفهم ونومهم من جديد.


كانت أدوارنا قد انتهت تلك هي العِبرة، وما من عهد يعود إلى الوراء فزمن العجائب ولَّى  إلى غير رجعة، وما كان غدا لن يعود إلى البارحة ولا يعود إلى الوراء ما أصبح اليوم في الأمام.


فترة النوم من أسوأ الأوقات وأصعبها التي كانت تمعن في إحباطي وتهديدي، وأنا أرى في نومي حافلة النقل التي كانت تقلنا يوميا من محطات التجمع إلى الشركة، أنها تجاوزتني وأسرعتْ بالابتعاد عني، وأنا أعدو وراءها ملهوفا والعرق يتصبب مني لأتعلق بالحافلة لكي تقلني إلى عملي، فلا يضيع مستقبل أولادي في المدارس والجامعات. كنت أبكي في سري من خشيتي وخوفي على مستقبل أسرتي وأولادي.


وكان علي كالآخرين أن أتخذ قراري فأقبل التقديمات "المغرية" المعروضة، أو يلجأون في النهاية إلى تسريحنا من الشركة ولو بالقسر والإكراه. ذلك هو استبداد رؤوس الأموال وما أوحى به المسؤولون في الشركة آنذاك، حتى الضمان الصحي كنا قد خسرناه.


هذه الوسائل يا صديقتي من خلال النت وما يواكبه، قتلت سعادة الطفل الحافي في  روحي وكياني، وغيَّرت حالي بوحشية تلامس حدود ما يجري اليوم من الوسائل المبتكرة في القتل والفظاعات فأفسدت أمانا كنت أنعم به وهزت أعماق عقلي وقلبي وكياني.


تقلصت تجارة القرطاسية من حبر وورق، واختفت معها الرسائل فتراجعت إلى الحد الأدنى زيارات ساعي البريد، يدق الأبواب وفي جعبته تختبىء قلوب المسافرين. ثم بدأت تختفي الصحف والمجلات ومعها اختفى البائعون "وأكشاك" الأرصفة والدكاكين واستعر في القلب الحنين إلى ماض لن يعود.. إلى رشيد أيوب  يتلو على مسامعنا: يا ثلجُ قد هَيَّجْتَ أشجاني، ذكَّرتني أهلي بلبنانِ..! لا تقلقي يا صديقي فلا اشتياق ولا لهفة في القلب بعد اليوم بفضل الحاسوب والمحمول..؟


"يقتلكَ الحنين أو تقتلُه لا فرق؛ في الحالين أنتَ القتيل".. هذه المعزوفة أنا من أطلقها يا صديقتي، وقد انتهت مفاعيلها إلى الأبد..؟ فإن اشتقتِ إلى أولادك وأحبتك في أربع رياح الأرض..؟ لا تشغلي بالك أبدا ولا يقتلك الحنين.. فها هو المحمول إلى جانبك كبسة سريعة على الزر الأخضر وتحصلين على كل ما تريدين. نامي يا صديقتي خلية البال مطمئنة الخاطر، فلا غصة ولا شوق بعد اليوم بفعل الهاتف المحمول.


من يدري ربما تختفي قريبا جدا الدفاتر والأقلام من السوق ويتم القضاء نهائياً على استخدام كل أشكال المطبوعات. اليوم بالذات يا صديقتي اتخذت صحيفة "السفير" قرارا محزنا بالتوقف عن الصدور، فهل تدركين مدى شعوري أنا المواظب على قراءتها منذ طباعة أعدادها الأولى..؟ السفير إحدى أهم وأعرق الصحف اللبنانية "صحيفة من لا صوت لهم".


توقفتْ وسكتَ صوتُها اليوم بعد رحلة طويلة، وتاريخ مجيد حافل بالنجاح والكلمة الصادقة الحرة، تجاوز عمرا بحاله يساوي أربعة عقود أو أربعين ربيعا من التعب المتواصل والصدور. وقبل أن تقفل تنازلت بقرار شجاع من مؤسسها عن ثروة ثقافية واسعة ومكتبة غنية، تبرعت بها لبعض المكتبات العامة والمؤسسات المعنية.


ابتدأت الصحيفة تعاني منذ حين من صعوبة الاستمرار، وقد تدنت مبيعات الصحف إلى حد غير مسبوق، وتحولت معظم الإعلانات من الورق إلى الشاشات، فأتى من يساعدها وينشطها لتقف على رجليها من جديد. لكن الزمن كان قد تجاوزها وسرعان ما عادت فانتكست وتعثرتْ مرة أخرى، وها هي اليوم تنتفض انتفاضة الاحتضار وتسرِّح موظفيها وتقفل أبوابها وتتوقف عن الصدور.


"صرحا من خيال فهوى" هذا ما انتهت إليه حال السفير. انتشر الخبر وبلغ مسامع الآخرين فلم يبادروا إلى نصرتها، وهي التي نذرت نفسها منذ انطلاقتها من أجل الدفاع عن القضايا الخاسرة. ارتاح الخصوم وغَضِبَ المناصرون ولكنهم لم يفعلوا ما يساعد على استمرارها. ولو شاؤوا لواصلت مسيرتها لكنهم يريدونها أن تصمت.. هذا ما يريدون. السفير أقفلت وانتهى الأمر وكل ما عدا ذلك "فشة خلق" لم تعد تجدي وتنفع. أخفق المناصرون ونجح الأعداء والخصوم على السواء. لكن طلال سلمان هو الناجح دون الجميع، ولسان حاله يقول: "وفيتُ وفي بعض الوفاءِ مذلةٌ لغانيةٍ في الحيِّ شيمتُها الغدر".


استفزني إقفال الصحيفة ليلة رأس السنة. رأيت المشهد يشبه من بعض الزوايا ليلة العيد حينما أعدموا صدام.. وشعرت بالحسرة والغصة لخبر إقفال الصحيفة بقدر ما آلمني واستفزني منظر مجموعة سيَّاح من الكيان الصهيوني، ممن دأبت السفير على التنديد بهم وإدانتهم، رأيتهم يرقصون إلى جانب "أخوة" لهم من العرب ممن يعتمرون الكوفية والعقال، في ملهى من ملاهي دولتهم العربية أو العبرية بتعبير مظفر النواب.


السفير الصحيفة الـتي أطفأت أنوارها وأقفلت أبوابها ليلة رأس السنة، كنتُ ذات يوم سأعمل موظفا في إدارتها، وحسنا فعلتُ عندما رحتُ إلى الخيار الآخر والعمل في شركة للنقل الجوي. أو لكان عليّ أن أتحمل حسرةً ومرارةً أشد وأدهى، مما لاقيتُه عندما تركت عملي  في الشركة، لو أنني اشتغلت يومئذٍ موظفا في السفير.


هذه حال الدنيا يا صديقتي وهذا ما تؤدي إليه فترة التحوّل والحركة في مفاصل التاريخ. تلك هي ضريبة المدنيّة التي بلغناها. أرجو لمؤسسها الصحافي المتميِّز الأستاذ طلال سلمان الإنسان المتواضع المحبوب، وهو من بلدتي وصديق عزيز على الجميع أن يتماسك ويتجرع مرارته ويخنق دموعه، دون أن ينحني ويقتله حال ما انتهت إليه الصحيفة بعد هذا التاريخ المجيد.


سحقني يا صديقتي ما واجهته خلال عمري من القسوة وخيبات الأمل المتكررة والفظاعات التي شاهدتها، والقليل من حب نعمت به في واحات قليلة مررت بها في رحلتي. قرأت الكثير وكتبت القليل مما عشته وعانيته، ولكنني لا أكتمك يا صديقتي أيامي المبعثرة التي عصفت بها وبددتها ريح الخريف.


أصابتني انتكاسة عاطفية وأحزنتني أحوال العرب في شتى الديار، وضاع من قلبي أمان الطفل الحافي الذي كنته بفعل القتل والسيارات المفخخة والتهجير وما يجري من سفكٍ للدماءِ في كلِّ مكان، وأحبطني ما رأيتُه من فظاعةِ الجهلِ والحقدِ والحرب وأبكتني خلاصة طواحين الهواء وأنا أطالع ما قاله دون كيشوت، وهو يستفيق على أوهامه والحقيقة المؤلمة ويرحل إلى الغيب من العالم المشهود: كل شيء إلى زوال ولا يبقى غير وجه ربك ذي الجلال والتمجيد.


إضافة تعليق

مود الحماية
تحديث

إعلان

إلى أولياء الأمور في لندن:

مدرسة دجلة العربية توفر الأجواء المناسبة لأبنائكم ،

لتعلم اللغة العربية والتربية الاسلامية والقرآن الكريم وتبدأ من عُمر ٥ سنوات الى مرحلة GCSE.

مدرسون متخصصون ودوام منتظم كل يوم سبت

من العاشرة صباحاً الى الساعة الواحدة والنصف بعد الظُهر.

DIJLAH ARABIC SCHOOL New Malden,

Manor drive north, KT3 5PElocated in Richard Challoner School http

www.dijlaharabicschool.com

Mob: 07931332000